حسن الأمين
254
مستدركات أعيان الشيعة
وإيران . وفرضت روسيا على إيران في هذه المعاهدة أحكاما قاسية مذلة كما هي العادة في المعاهدات التي يفرضها الغالب على المغلوب فرضا . واشترط الروس في المادة السابعة منها أن تكون ولاية العهد في إيران منحصرة في « عباس ميرزا » وأعقابه من بعده ، واضطرت الدولة الإيرانية وشاهها إلى الرضوخ لحكم الدولة الغالبة . وعادت إيران بهذه المعاهدة دولة ممزقة لا حول لها ولا قوة ، عاجزة عن النهوض . ووقعت بعد هذه المعاهدة ، بين سنة 1243 هوسنة 1246 ه ، في نواحي كرمان ويزد حوادث انقلابية وحركات ثورية . وبدت من الأخوين « حسين علي ميرزا » الملقب ب « فرمان فرما » ( الحاكم ) و « حسن علي ميرزا شجاع السلطنة » ابني « فتح علي شاه » مظاهر تمرد وعصيان . ومن ثم استدعى « فتح علي شاه » ولي عهده « عباس ميرزا » من أذربيجان ثم أرسله إلى يزد وكرمان لينظم الأمور فيهما . فاستسلم إليه « عبد الرضا خان » حاكم يزد وأحد رؤسائها ، وكذلك استسلم « شجاع السلطنة » والي كرمان واستولى على المدينتين بلا حرب ولا سفك دماء سنة 1246 ه ، وأرسل « شجاع السلطنة » إلى طهران . وعهد بولاية يزد إلى « سيف الدولة ميرزا » وولاية كرمان إلى « سيف الملوك ميرزا » ، وهما صهراه ابنا أخيه « علي شاه ظل السلطان » . ثم سافر إلى أصفهان فلبث فيها ثلاثة أيام ثم سافر إلى خراسان في سنة 1247 ه ، وقد عهد إليه بالولاية عليها مع ولايته على أذربيجان . ومرض في مشهد مرضا شديدا فاستدعى إليه طبيبه الانكليزي الخاص الدكتور « جون كورميك » من طهران . ولكن الطبيب نفسه مرض في الطريق بالتيفوس ومات قبل وصوله إلى مشهد . وتوفي « عباس ميرزا » في مشهد في العاشر من جمادى الثانية سنة 1249 هوعمره سبعة وأربعون عاما بمرض ورم الكلية ، ودفن في حرم الإمام الرضا ع . « عباس ميرزا » ولي العهد نائب السلطنة والي أذربيجان لعله أعظم الأمراء من أبناء ملوك السلسلة القاجارية بشهادة المحليين والأجانب . إلا أن الأوروبيين ، ولا سيما الإنكليز ، الذين قدموا إلى أذربيجان أيام ولايته عليها واطلعوا على أحواله وأوصافه وتحدثوا عنها مجمعون على أن ما امتاز به ورفع من شانه ، باستثناء شجاعته الشخصية ، كان الفضل فيه لتدبير وزيره « الميرزا بزرگ القائم مقام الفراهاني ، وابنه » الميرزا أبو القاسم « المعروف بالقائم مقام الثاني وكفاءتهما . كان « عباس ميرزا » في أوائل أمره يؤيد سياسة إنكلترا . ولكنه لما تبين أن الإنكليز لم يساعدوا إيران بشيء ، بل إن أكثر الهزائم التي منيت بها إيران إنما كان بسبب موافقتهم للروس سرا ، لم يجد بدا ، بعد عقد معاهدة « تركمان شاي » سنة 1243 ه ، من الانحياز إلى الروس . فكان يكثر من إقامة المآدب لضباطهم ومبعوثيهم السياسيين . وقد أدى مثل هذه الخصوصيات والمسايرات إلى أن قبل الروس بالجلاء عن مدينة « خوي » . ثم دعت الدولة الروسية ولي العهد دعوة رسمية إلى زيارة روسيا والاجتماع بالإمبراطور « نيقولا الأول » وتجديد عهد الصداقة . وتقرر أن تعفي روسيا إيران ، بعد هذه الزيارة وملاقاة الإمبراطور ، من دفع بقية الغرامة الحربية التي فرضتها عليها ، وقدرها مليون تومان . وأخذ « عباس ميرزا » يتهيأ للسفر إلى روسيا ، وخصص له الشاه مبلغ ثلاثين ألف تومان لنفقات السفر . ولكن اتفق أن قتل ، في أثناء ذلك ، في طهران « غريبايدوف » سفير روسيا في إيران . ( 1 ) فاتخذت الأوضاع والأحوال شكلا آخر . وأهمل موضوع زيارة نائب السلطنة لروسيا . وكان أحد البواعث ل « عباس ميرزا » على الرغبة في السفر إلى « بطرسبورغ » السعي إلى استرجاع مدينتي « لنكران » و « إيروان » . وكان قد باحث صديقه « باسكيوفيتش » في هذا الموضوع مصرا على المطالبة بان تعيدهما روسيا إلى إيران . فأجابه بان هذا الأمر مرجعه إلى الإمبراطور . ومن ثم كان « عباس ميرزا » يرغب في السفر إلى روسيا ومباحثة الإمبراطور بهذا الشأن لعله يحصل على نتيجة . وبعد وفاة « عباس ميرزا » أراد « فتح علي شاه » أن ينصب أحد أبنائه الستين في مكانه وليا للعهد . وجرت مباحثات كثيرة في هذا الموضوع . وكان الإمبراطور الروسي ، لما علم بوفاة « عباس ميرزا » ، قد أصدر أمرا بالحداد رسميا . وأرسل من قبله أحد الكبار من رجال بلاطه اسمه « أريستوف » يحمل رسالة تعزية خطية منه إلى « فتح علي شاه » فوصل إلى طهران في منتصف شهر المحرم سنة 1250 ه . وبعد القيام بمراسم التعزية بلغ إلى الشاه عن لسان الإمبراطور تذكيرا بمضمون المادة السابعة من معاهدة « تركمان شاي » ، مصرا على أن يكون « محمد ميرزا » ابن « عباس ميرزا » وليا للعهد . فأطاع « فتح علي شاه » الأمر واستدعى حفيده « محمد ميرزا » من خراسان ونشر مرسوما بتعيينه وليا للعهد . الشيخ عباس الهاتف القوچاني النجفي ولد في قوجان 1332 وتوفي يوم الأربعاء 23 شعبان 1410 في النجف الأشرف . تعلم المبادئ والمقدمات في قوجان ثم هاجر إلى مشهد الرضا ( ع ) وسكن مدرسة ( دو در ) وقرأ النحو والصرف على الأديب النيسابوري وشرح
--> ( 1 ) « غريبايدوف » كاتب شاعر روسي مشهور . وهو ابن أخت الجنرال « باسكييفيتش » قائد القوات الروسية في القفقاس . كان في سنة 1244 هسفيرا لروسيا في إيران . أظهر خشونة وشراسة في إنفاذ معاهدة « تركمان شاي » ، ولا سيما المادة الثالثة عشرة منها . وهي تقضي بأخذ جماعة من النساء المسلمات من إيران إلى القفقاس ، إذ كن في الأصل نصرانيات من أهل القفقاس فيجب إعادتهن إلى ديارهن الأصلية . وكان منهن اثنتان كرجيتان في حرم « الله يار خان آصف الدولة » أحد كبار القاجاريين ولهما أولاد . فاخذتا منه أخذا عنيفا وحملتا إلى السفارة الروسية . وكان في البلاط القاجاري خصي اسمه « يعقوب » ، وهو في الأصل أرمني . وكان قد فر من البلاط ولجا إلى السفارة الروسية هربا من مطالبته بديون كانت للناس عليه . وطلب من السفير حمايته فقبله السفير وحماه . وكان لهذا الخصي دخل في قضية اختطاف النساء هذه . وكتب « الميرزا مسيح » المرجع الديني الأول يومئذ رسالة إلى السفارة الروسية يطلب إعادة المرأتين فلم يلتفت السفير إليه . فهاجت العامة وساروا إلى دار السفارة وتجمهروا حولها . فأمر السفير رجاله بتفريقهم بالقوة فأطلقوا عليهم الرصاص وقتل غلام في الرابعة عشرة . فازداد الناس هيجانا وازدادوا تجمعا حتى بلغ عددهم حوالي مائة ألف هجموا على السفارة ، فخاف السفير واخرج إليهم المرأتين والخصي يعقوب من السفارة . ولكن الناس ، إذ كانوا يرون أن يعقوب هو المحرك الأول لعملية الخطف ، تناولوه وقطعوه قطعة قطعة ، وحملوا المرأتين سالمتين إلى منزل « الميرزا مسيح » . ولم يكتف المهاجمون بهذا بل ظلوا يحاصرون السفارة يريدون احتلالها . ومع أن المدافعين قتلوا منهم أكثر من ثمانين رجلا فإنهم لم يتراجعوا حتى احتلوا السفارة وقتلوا السفير وموظفي السفارة لم ينج منهم غير واحد استطاع الاختباء فلم يصلوا إليه . وبلغ عدد القتلى من رجال السفارة بين ثلاثين وثمانية وثلاثين قتيلا على اختلاف في أقوال المؤرخين .